تنشط في هذه الأيام الحوارات، والمساجلات، والاجتهادات حول موضوع الحقوق المدنية والاجتماعية، فالقوى السياسية اللبنانية أدلت بدلوها إيجاباً أو سلباً، والبرلمان اللبناني صاحب الشأن تسلَّم زمام الأمور، وشكَّل لجنة الادارة والعدل، وفيها تتمثل مختلف الاتجاهات السياسية من أجل التوصل إلى قواسم مشتركة تصلح أن تكون مشروعاً توافقياً يمكن طرحه على المجلس النيابي لأخذ الموافقة، واقراره كمخرج للأزمة التي نشأت، ولحالة الجدل التي سادت حول هذه الحقوق. الجانب الفلسطيني بكافة اتجاهاته ينتظر قراراً مُنصفاً شاملاً لهذه الحقوق خالياً من المناورات، صريحاً بحجم المعاناة التي يعيشها الانسان الفلسطيني.
بعيداً عن المواثيق الدولية، ومواثيق الجامعة العربية والقوانين التي شارك المشرِّع اللبناني في صياغتها، وبعيداً عن القوانين اللبنانية السابقة او المعدَّلة المتعلقة بالعمل أو بالتملك، وبعيداً عن كل المناكفات والتصريحات نؤكد كشعب فلسطيني مشرد ولاجئ منذ اثنين وستين عاماً التالي:
أوَّلاً: عندما نُكّبنا وشُرِّدنا من أرضنا في العام 1948 تمَّ ذلك بفعلِِ مؤامرة دولية امبريالية صهيونية وحالة عجز وصمت عربي، المؤامرة كانت مُحكَمة وتستهدف فلسطين أرضاً وشعباً ومقدسات وموقعاً استراتيجياً، فالأرض مُستهدَفة لأنها أرض المقدسات، والشعب مُستهدَف لأن المطلوب تشريده واقتلاعه من أرضه واحلال جماعات مشتتة في اوروبا وأميركا وروسيا واستراليا والدول العربية وغيرها بتوجيه وتدبير وتنفيذ من الحركة الصهيونية التي نظمت عملية التهجير سواء بالترغيب ام بالترهيب. إذاً نحن كفلسطينيين ضحية مؤامرة سياسية دولية، ولأنه بناء على مقررات مؤتمر بال في سويسرا 1897 المطلوب السيطرة على فلسطين لأنها تتمتع بموقع استراتيجي يتوسط القارات، ويشرف على البحرين المتوسط و الأحمر، كما أنَّ فلسطين هي قلب الوطن العربي وكانت القبلة الأولى للمسلمين، إذاً ما حدث في فلسطين مشروع صهيوني مدعوم من دول ذات نفوذ لإقامة الكيان الاسرائيلي الذي يلبي التطلعات الاستعمارية في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى يؤدي الدور التدميري لتطلعات الأمة العربية في الوحدة والنمو والتطور.
ثانياً: استناداً إلى ما سبق لا يجوز للدول العربية سواء بمقياس الانتماء العربي المشترك، أو المصير المشترك، أو بالمقياس القومي والوطني أن يكون التعامل مع الشعب الفلسطيني الذي كان ضحية تآمر دولي وصمت عربي أن يُعامل بأقل ما يُعامل به الاجنبي أيّاً كان، ولا يجوز حتى تطبيق قرار التعامل مع الفلسطينيين على أنهم أجانب، وأن يحكم العلاقة قضية التعامل بالمثل ، والدولة اللبنانية تعرف أن أرض الشعب الفلسطيني محتلة، فهل ندفع الثمن مرتين؟ مرة عندما نُكّبنا وشرّدنا من ديارنا بفعل التآمر المدعوم بآلة الحرب العسكرية، ومرة أخرى على أيدي الاشقاء العرب بأن نُحاسَب ونُعاقب ونُحرم من حقوقنا المدنية والاجتماعية لأن فلسطين العربية مُحتلة ، وأنه ليس هناك تمثيل وتبادل دبلوماسي كباقي الدول، ونحن ننطلق في طْرحنا من أننا جزء لا يتجزأ من الامة العربية.
ثالثاً: نحن عندما نطالب بحقوقنا المدنية والاجتماعية فإننا لا نستجدي ولا نفرض، لا نستجدي وانما نذكِّر فنحن أسهمنا في بناء لبنان إلى جانب الشعب اللبناني، وعملنا على كافة الجبهات الحياتية، وفي كافة المجالات التطويرية، واعتبرنا أنّ بناء لبنان هو جزء لا يتجزأ من كفاحنا الوطني والقومي، ولذلك نحن نطلب من الشقيق ومن الجار الذي استقبلناه قبل العام 1948 زائراً، وعاملاً، ومقيماً أن يتعاطى معنا كضيوف، وان يسهّل لنا الحياة الكريمة ريثما تتحقق أمنيتنا بحق العودة استناداً إلى القرار 194. ونحن لا نفرض لأنَّ الفرض يكون على الخصم، فنحن لا نعتبر أنفسنا في حالة خصومة مع أحد، فنحن أشقاء، ومن حق الشقيق على الشقيق أن يقف إلى جانبه، وأن يُكرمه في بيته، وأن يشعر بمعاناته، وأن يمد له يد العون.
رابعاً: هناك مفاهيم ومصطلحات يجب إعادة النظر فيها لأنها – بغض النظر عن نيات قائلها – باتت تؤذي الإنسان الفلسطيني، وتنال من هيبة القضية الفلسطينية التي هي القضية المركزية للأمة العربية والاسلامية. نبدأ بمصطلح التوطين الذي يكرِّس حالة ذعر سياسي لبناني من الفلسطيني، وتصويره على أنه ينازع اللبناني على أرضه، ووطنه، وخيراته، وعلى المراكز والوظائف، لذلك نحن كشعب فلسطيني بكل أطيافنا السياسية رفضنا وقاومنا مشاريع التوطين، وما زلنا نرفض ونقاوم، وما نتمناه أن تواصل الدول العربية مقاومة مشاريع التوطين إذا حصلت هناك محاولات من أعداء الشعب الفلسطيني لفرضها، فهذا الموضوع عند الدول العربية وليس عندنا. نحن متمسكون بحق العودة، وهذه ثقافة وطنية شاملة ترسَّخت في أذهان شبابنا ونسائنا وشيوخنا وأطفالنا، وما نتمناه هو الدعم العربي الكامل لحق العودة استناداً للقرار 194، فهذا الموضوع بالنسبة إلينا موضوع جوهري ومصيري، وبدون حق العودة لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط. أمّا مصطلح أن المخيمات بؤر أمنية فإنه يشكل عدواناً إعلامياً وسياسياً على المجتمع الفلسطيني ،لأنه يشوَّه صورة المجتمع الفلسطيني، وصورة الإنسان الفلسطيني الذي يمثل القضية الفلسطينية، فالمجتمع الفلسطيني ليس مجتمع ملائكة وانما هو جزء من المجتمع اللبناني، وبروز ظاهرة أو حالة معينة لا يبرّر إطلاقاً الهجمة الاعلامية والسياسية من أطراف معينة، ولا يجوز وضع الأخطاء الصغيرة تحت المجهر، وأن يتحول إطلاق رصاصة إلى إشتباك، وأن يتحول سوء تفاهم عابر إلى استنفار شامل.
المخيم الفلسطيني بقياداته المحلية وبناء على التعليمات المركزية يسعى دائماً لتطبيق آلية سليمة لحل الاشكالات التي لا نستطيع استبعادها، لكن ما يميّزنا أننا متفاهمون من خلال المؤسسات القائمة على معالجة مختلف القضايا. ومصطلح أن المخيمات بؤر أمنية هو مصطلح قمعي عدواني، ويومياً نثبت أننا حريصون على مقاومة عوامل تشويه مخيماتنا، وحريصون على العدالة والتعاون مع السلطات اللبنانية من أجل مقاومة كل ما يهدد أمن المخيمات والجوار، وتسليم المشبوهين والمسيئين للعدالة.
ما نطلبه حقيقة من الأطراف اللبنانية خطوات متقدمة وجادة لتعزيز الثقة مع المخيم الفلسطيني، هذا المخيم الذي صرَّح علناً أنه يرفض أن يكون طرفاً في الخلافات اللبنانية الداخلية، وأن الفلسطيني يوحِّد ولا يجزّئ، لأن القضية الفلسطينية هي قضية الجميع. المخيمات الفلسطينية تعيش حالةً من البؤس الاجتماعي سواء على صعيد البنية التحتية، أم على صعيد العمل والحياة الاقتصادية، أم على صعيد الشعور بالقلق الدائم وعدم الاستقرار الاجتماعي والنفسي، والشعور الدائم رغماً عنه بأنه متهم، ومشكوك به، ومُتابَع سواء عندما يدخل إلى المخيم أم عندما يخرج، وهذه قضية جوهرية تحتاج إلى رعاية جادة من الدولة اللبنانية في موضوع الإجراءات الامنية. وتحتاج إلى معالجة مشتركة من خلال الحوار البنَّاء الفلسطيني اللبناني لجعل المخيم منفتحاً، وإعادة النظر في الاجراءات التي تؤدي إلى تكديس عدد المطلوبين دون تدقيق في المخيمات، وهذا ما يؤدي إلى أزمة إجتماعية، وأزمة بطالة، وأزمة أمنية، وأزمة ثقة.
المخيمات تحتاج إلى تعزيز الثقة على طريقة الزيارة التي قام بها فريق من الوزراء إلى عين الحلوة ويومها خرجوا بانطباعات مهمة لا يدركها إلاّ من تسمح له ظروفه بزيارة المخيمات ليحكم على الواقع كما هو.
امين سر حركة فتح/ إقليم لبنان***